إرشاد نفسي :إرشاد اجتماعي :إرشاد شرعي :إرشاد صحيإرشاد أكاديمي
جديد الاستشارات تحول المشاعر إلى غيرة ..!كيف أنجو من مكائد الشيطان ؟تعرق اليدين أثناء الخوفأسمع نبضات قلبيأفكر في الموت كثيراً ..!غيرة عمياء بين الأختينرعشة أثناء النوم ..!ألم الصدر عند الصراخهل تضر هذه الأغذية بالصحة ؟كيف تصل المعلومة بسهولة ؟
جديد الإضاءات بناء علاقات جيدة مع اللآخرينالايمان بالقضاء والقدركيف تختار تخصصك في الجامعةالتدخين...مضاعفاته النفسيةبناء شخصية المبتعثةالانطواء.. مظاهر وأسباب ..!كيف تواجهة ضغوطك النفسية؟خطوات نحو القمة

العالم.. فوتوشوب كبير..!!

د. ديمة طهبوب - 28/1/2010

لا تقلق إذا كان بوجهك ندبة أو تجاعيد طبيعية أو مرضية أو إجرامية..!!

 

لا تقلق إذا كان لون عينيك لا يعجبك، أو شعرك كالعهن المنفوش، أو بطنك "مكروش"..!!

 

فبالفوتوشوب ستصبح "دونجوان"، و ستصبحين ملكة جمال، لا قلق مع الفوتوشوب الذي يجعل -كما يقول المثل المصري- "من البوصه عروسه، و من الخنفسا ست النسا"؛ فهو العطار الذي يصلح ما أفسدته الأيام و السنون، و هو مغارة "علي بابا" تدخله بصورتك الحقيقية الطبيعية، فتخرج منها و قد لبّى لك المارد كل أمنياتك بالجمال و الصحة و الخلود؛ فتصبح صورتك صالحة للتداول و النشر، و التوزيع، أو للتعليق كلوحة في متحف، لو رآها الناس لانعقدت ألسنتهم، و تمتموا: هذا ملَك كريم..!!

 

يمكنك بعد تعديل صورتك بالفوتوشوب على الكمبيوتر أن تصبغ شعرك باللون الذي تريد حسب الموضة، و تلون عينيك، و تضيف لهما البريق، و تزيل البقع و الحبوب، و تضع خالاً أو غمازات، و تفرق بين أسنانك و تبيّضها و تزيل التقويم، و تشدّ وجهك و بطنك و كل ترهّل أو زاوية أو انثناء لا تريده.

 

كل ما يخطر و لا يخطر بالبال من عمليات التجميل الإلكترونية يمكن عمله بصورتك بالفوتوشوب لترضى عن نفسك، و تحصل على صورة ليست لك كما خلقك الله في أحسن تقويم، و لكن اتباعاً لمعايير جمال و موضات و تقاليع قد لا تؤمن بها في حقيقة نفسك، و قد لا يجلب تطبيقها لك السعادة، و لكنه خداع عن رضى و تعامٍ مقصود، و اتباع للقطيع و سياسة ضع رأسك بين الرؤوس و قلْ يا قطّاع الرؤوس..!!

 

و لكن ماذا عن الناس الذين رأوك صورة قبل أن يروك عياناً، و عرفوك إطاراً قبل أن يعرفوا مضمونك، و رأوا دموع عينيك قبل أن يعرفوا فداحة ما اقترفته يديك؟! هل أصبح الخداع مستساغاً في دائرة التجميل و التحسين؟!

 

و لكن ماذا عن الخداع الأكبر؟! عندما يصبح العالم كله فوتوشوب كبير؛ فتجمل بعض وسائل الإعلام الصورة للخارج و المواطن مسفوح الدم، مهدوم البيت، مهدور الكرامة في الداخل..!!

 

بالفوتوشوب الكبير يظهر الحاكم يمشي في الأزقة و الحواري يقاسمك فتات العيش، و خارج الإطار يحلبك حتى آخر نفس، و يتسول و يستجدي العالم معونات على صورتك.

 

بالفوتوشوب يبكي الرئيس على الضحايا، و يودّ لو يحفر قبراً بجانب قبورهم، و يغضب للنشيد الوطني إذا تحرّف، و بدون تجميل يطعن ذكرى الضحايا و من بقي من الضحايا الأحياء في الظهر، و يصمّ آذانه عن سماع آهاتهم من أجل كرسي أو شبكة اتصالات، و ما خفي بالفوتوشوب كان أعظم.

 

بالفوتوشوب المهم أن تظل صورة الكعبة، و لو كان حولها جثث أمة محمد أجمعين، و لا يهم أن حرمة دمائهم أعظم من حرمة الكعبة.. بالفوتوشوب المهم أنا و من ورائي الطوفان، و لو أُغرق الوطن و القضية و الإنسان!!

 

بالفوتوشوب يظهر إخوة يوسف و هم يسعون لحمايته و احتضانه و التصالح معه، و بعيداً عن أعين الناس يلقونه في الجُبّ، و يأتون للملأ بقميصه و أكاذيبهم..!!

 

هل هي خطيئة أن نجمل أنفسنا للآخرين؟ قد نختلف على الإجابة....

 

هل تدخل التغييرات في باب الكذب و الخديعة و شهادة الزور؟!

 

لماذا نقبل لأنفسنا شيئاً من الخداع البسيط و الكذب الأبيض، و نستنكر على ولاة أمرنا أن يعاملونا بالمثل؟!

 

ألم يُقل: كيفما تكونوا يُولّ عليكم؟؟

 

ألم يُحرّم الدين التدليس، و لو كان بإخفاء بقعة من بهاق (تغير لون الجلد) عن الآخرين؟ !

 

لقد أصبحنا ننظر إلى الخداع كفهلوة و شطارة و سرعة بديهة، و أصبحنا نتداول أمثلة من شاكلة: اكذبْ، ثم اكذبْ، ثم اكذبْ حتى يصدّقك الناس، و نسينا التحذيرات من الكذب و تحرّيه التي تجعل المرء يُكتب في سجل الكّذابين عند الله!!

 

إن الفوتوشوب و الصورة و البرستيج لم تكن موجودة في الزمن الذي ذهب فيه بلال بن رباح مع أخ له في جاهته، و الجاهة في فوتوشوب زماننا لا تقول إلاّ خيراً و فضلاً، و لو عرفت من الشر صنوفاً، و لكن بلالاً كان يضع نفسه في إطار الصدق، فقال لأهل العروس: هذا أخي، وهو امرؤ سوء في الخلق والدين، فإن شئتم أن تزوّجوه، وإن شئتم أن تدعوا فدعوا، فقالوا: من تكون أخاه نزوّجه فزوَّجوه!!

 

في غير زمان الفوتوشوب كان الجمال للتقوى لا لعربي و لا أعجمي، و لا لأسود و لا أبيض، و التقوى في القلب جمال لا يعرفه إلاّ الله.

 

في غير زمان الفوتوشوب كان إعلاميو ذاك الزمان من الشعراء لا يعتنون بالتزويق و المكياج، و يصرّحون:

 

و مهما تكنْ عند امرئ من خليقةٍ          و إن خالها تخفى على الناس تُعلمِ

 

لسانُ الفتى نصفٌ و نصفٌ فؤادُهُ     فلم يبق إلاّ صورةُ اللحــمِ و الدمِ

 

و يحذّرون:

 

احذرْ محاسنَ أوجهٍ فقدتْ محا     (م) سنَ أنفسٍ و لو أنها أقمـــارُ

 

سُرُج تلوحُ إذا نظرْتَ فإنهـا            نورٌ يضيءُ و إذا مسَسْتَ فنارُ

 

و كانوا يقولون: إن الأجسام قد تبدو كالبغال، و لكن الأحلام و الطموحات كالعصافير، و إن الحسن ليس الدليل على الفتى، كما ليست كل السيوف المصقولة سيوفاً يمانية!!

 

في زمن عمر الفاروق كانت الصورة لا تأبه لعيون الناس التي تنام و عين الله لم تنم، فراقبت الفتاةُ من رعيته عينَ الله فحفظت الأمانة، و لم تخلط اللبن بالماء، و سوّى عمر الطريق لدابة في العراق، و هي بهيمة و ليست بشراً، في بلد بعيدة عن عاصمة الخلافة، و مركز الحكم، حيث لا حسيب و لا رقيب إلاّ الله!!

 

في زماننا أصبح الفوتوشوب عنوان الحياة، و شعار كل المتعاملين به: أنا لا أكذب، و لكني أتجمل..!!

 

RSS | RSS
|
دخول الأعضاء
اسم المستخدم
كلمة المرور
تسجيل جديد