إرشاد نفسي :إرشاد اجتماعي :إرشاد شرعي :إرشاد صحيإرشاد أكاديمي
جديد الاستشارات تحول المشاعر إلى غيرة ..!كيف أنجو من مكائد الشيطان ؟تعرق اليدين أثناء الخوفأسمع نبضات قلبيأفكر في الموت كثيراً ..!غيرة عمياء بين الأختينرعشة أثناء النوم ..!ألم الصدر عند الصراخهل تضر هذه الأغذية بالصحة ؟كيف تصل المعلومة بسهولة ؟
جديد الإضاءات بناء علاقات جيدة مع اللآخرينالايمان بالقضاء والقدركيف تختار تخصصك في الجامعةالتدخين...مضاعفاته النفسيةبناء شخصية المبتعثةالانطواء.. مظاهر وأسباب ..!كيف تواجهة ضغوطك النفسية؟خطوات نحو القمة
استشارات أكاديمية > أصابتني الحيرة في اختيار التخصص الذي أريد
السؤال

أدرس في كلية الطب البشري في سنتي الأخيرة، وأنا أنوي أن أتابع الاختصاص في الخارج، وهنا تكمن حيرتي، حيث أني أحب أن أختص اختصاصا جراحيا، وهو متاح لي في ألمانيا، ولكن مع دخل منخفض جدا، أو حتى ربما يتكفل أهلي في مصاريفي في الغربة، وهناك احتمال ضعيف جدا أن أحصل بعد عام واحد على راتب محترم جيد وكافي.

وهناك احتمال آخر للاختصاص أن أتوجه للولايات المتحدة حيث يتاح لي الاختصاص في الطب الباطني مع راتب محترم، ولكن المشكلة أنني أحب الاختصاص الجراحي أكثر منه، والذي من الممكن أن يتاح في الولايات المتحدة باحتمال نادر جدا.

ملخص مشكلتي أنني إما علي أن أتخصص فيما أحب بدخل منخفض وعالة على أهلي غالبا، أو أتخصص اختصاصا آخر مع دخل جيد جدا، وهنا أبحث عن الجانب الشرعي، فانا أعلم أن رزق الإنسان مقدر (بمعنى أنه مسير) فأينما ذهبت وحتى لو بقيت في بلدي الفقير سأحصل في نهاية حياتي على نفس كمية الرزق، وعليه اخترت أن أختص بما أحب على هذا الأساس، ولكن كانت المفاجأة لي أن أخبرني أحد الأصدقاء الثقات أن رزق الإنسان مقدر بمعنى علم الله المستقبلي الكاشف فقط، أي أنني مخير في رزقي، ولست مسيرا بحسب ذكائي ونشاطي، وأنا بصراحة أفضل أن أتنازل عن الاختصاص الذي أحبه ( في سبيل دخل مادي مرتفع)!

إلا في حال إن كان نفس الرزق سوف يأتيني بالحالتين، عندها لا داعي للاستعجال بالرزق، وقد صليت الاستخارة عدة مرات دون أن أستطيع أن أتخذ قرارا، وأنا أعرف أحاديث الرزق جميعا، وقد قرأت بعضها في موقعكم المحترم، ولكني لا أستطيع أن أفهم هذا اللبس، فماذا تنصحونني؟ علما أنني أود أن آخذ بالأسباب، وأود أن تكون الإجابة على حيرتي وفق ميزان الشرع وتقييمه، وليس مجرد شهواتي.

آسف على الإطالة ولك جزيل الشكر يا سيدي الكريم، وأتمنى عليك أن تتوسع بالإجابة من كل الجوانب فهذا الموضوع يحيرني كثيرا، علما أني أبتغي بعلمي هذا آخرتي ودنياي إن شاء الله.

ولكم جزيل الشكر والسلام عليكم.

 


الجواب

قد أشكل عليك أمر يتعلق بقدر الله جل وعلا؛ مع الأخذ بالأسباب؛ فأنت الآن بين خيارين: هل تذهب وتسافر إلى بعض البلاد لتجد التخصص الذي تريده وتحبه وتميل إليه ثم بعد ذلك تجد أن تحصيلك المادي ضعيف في هذه الحالة، أم تذهب إلى بلد آخر في تخصص هو ليس رغبتك، ومع هذا تجد المستوى المادي المطلوب الذي تميل إليه، ثم بعد ذلك تسأل نفسك: إن كان الرزق مكتوبًا ومقدَّرًا فعلام أختار هذا أو ذاك، لماذا أختار التخصص الذي أريد وأترك الرزق على الله جل وعلا لأنه مقدر مكتوب، فما معنى أن أسعى وأن أتعب في هذا أو ذاك، فطالما أن الرزق مكتوب فلا ينبغي أن أغير رغبتي، فهذا هو الذي أشكل عليك، وهذا يدل على أن لديك إشكالاً عظيمًا في هذا المعنى، وإن كنت بحمد الله عز وجل مؤمن بقدر الله مسلَّم أن الله جل وعلا قد قدَّر مقادير الخلائق؛ كما قال تعالى: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ}. وقال تعالى: {وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً}. فكل شيء بقدر الله جل وعلا وكل شيء قد مضى في علم الله جل وعلا، وأيضًا قد خلقه.


فالله جل وعلا قدَّر المقادير كلها، وأيضًا فهو خالق كل أعمال الناس وكل أفعالهم؛ كما قال تعالى: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} أي خلقكم وخلق أعمالكم.


وأما عن جواب سؤالك الكريم فإن هذا يوضحه لك هذا المثال الذي أمامك؛ فبما أنك طبيب سوف نرد لك بمثال يناسب اختصاصك:


لو أن أمامك مريض، وجاءك هذا المريض فشكى لك وجعًا به فأعطيته دواء لذلك، ثم نظر المريض إلى الدواء فقال: لماذا آخذ الدواء طالما أن الله جل وعلا قد قدَّر الأمور، فإن كان الله قدَّر شفائي فسيصيبني الشفاء سواء أخذت الدواء أو لم آخذه، فقد استوى الأمران، فلماذا آخذ الدواء إذن والأمر مقدَّر؟


ما رأيك في هذا الكلام؟ إن هذا هو عين مسألتك، فالجواب عليه: أن هذا المريض قد عطل السبب الذي هو الدواء فلم يلتفت إليه، وظنَّ أن الله جل وعلا طالما أنه قد قدَّر أنه سيشفى فلا داع إذن لأن يأخذه، أو سيمرض فإذن لن ينفع الدواء، فهذا الظن الذي وقع فيه هو خطأ في كلا الاتجاهين، بل الصواب أن هنالك أمرًا ثالثًا وهو أن الله قدَّر أنه إن أخذ الدواء شُفي، وإن لم يأخذه لم يُشف، فأخذه للدواء هو أيضًا من قدر الله، وبهذا يزول الإشكال أصلاً.. وخذ مثالاً ثانيًا ليتم لك الصورة ويستقر الأمر في ذهنك:


لو أن رجلاً مثلاً أراد أن ينجب الذرية وأن يكون له أولاد فقيل له: إذن تزوج. فقال: إن قدَّر الله أن يكون لي ذرية فسوف تأتيني سواء تزوجت أم لم أتزوج، وإن لم يُقدِّر ليَ الذرية فلن تأتني سواء تزوجت أم لم أتزوج فما رأيك في هذا الكلام؟ والكلام فيه: أنه أخطأ في كلا الاتجاهين. والصواب هو الاتجاه الثالث والذي عليه أهل الحق جميعًا من أهل السنة والجماعة، وهو الذي دلت عليه نصوص الكتاب والسنة وهو أنه إن أخذ بالسبب وهو الزواج فقد يُقدر الله جل وعلا الذرية، وإن لم يأخذ بهذا فقد عطّل السبب وحُرم الذرية.


إذن فالأخذ بالأسباب من قدر الله، وبهذا يزول لك الإشكال، فأنت إن كنت جائعًا وأحسست بالجوع فتدفع هذا الجوع بالأكل، فالجوع من قدر الله، والأكل من قدر الله، ويدفع الجوع بالطعام، فقد دفعت قدرًا بقدر، وهذا هو الذي دلت عليه نصوص الكتاب والسنة باستفاضة واسعة، ومن أفضل ما يساق لك في هذا المقام لجلِّي لك الصورة تجلية واسعة هو هذا النص النبوي الكريم فاحفظه وشد يديك عليه:


أخرج الترمذي عن أبي خزامة عن أبيه رضي الله عنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقلت: يا رسول الله: أرأيت رقىً نسترقيها ودواءً نتداوى به وتقاة نتقيها هل ترد من قدر الله شيئًا؟ فقال صلى الله عليه وسلم: (هي من قدر الله).


فتأمل في هذا الحديث العظيم كيف جلا الصورة وأزال الشبهة، فقد سأل هذا الصحابي رضي الله عنه: هل الدواء الذي نتداوى به يرد قدر الله، هل لو أنه استرقى من مرض أو وجع هل يرد قدر الله، هل لو أنه اتقى شرًّا وأخذ بالحيطة والحذر هل يرد قدر الله؟ فبين النبي صلوات الله وسلامه عليه أن هذه الأسباب لا تتعارض مع قدر الله، بل هي من قدر الله، فأنت عندما تأخذ السبب تكون قد أخذت بقدر الله؛ ولذلك قدَّمنا في أول الكلام أن الله خلق الخلق وخلق أعمالهم، فبهذا يكون كل عمل تقوم به هو من قدر الله، فتحصيلك السبب الذي يعينك على الرزق هو من قدر الله، وحركتك في طلب الرزق هي من قدر الله، وتناولك الدواء من قدر الله، فاعرف هذا فإنه من أنفع الأمور لك ويزيل الإشكال.


وقد بسطنا الكلام على هذا المعنى في غير هذا الجواب فراجعه إن شئت، ووصيتنا لك أن تحرص على الزواج قبل السفر إلى أي بلد من بلاد النصارى حتى تحصن نفسك وتغضَّ بصرك؛ كما قال صلى الله عليه وسلم: (يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء) متفق على صحته.


ونسأل الله لك التوفيق والسداد وأن يشرح صدرك وأن ييسر أمرك وأن يبصرك في دينك وأن يجعلك من عباده الصالحين.


وبالله التوفيق.


أضيف بتاريخ 3/11/2009 طباعة إرسال الى صديق
RSS | RSS
|
دخول الأعضاء
اسم المستخدم
كلمة المرور
تسجيل جديد